ابن الأثير

674

الكامل في التاريخ

ذكر وفاة القاضي منذر البلّوطيّ في هذه السنة ، في ذي القعدة ، مات القاضي منذر بن سعيد البلّوطيّ ، أبو الحاكم قاضي قضاة الأندلس ، وكان إماما فقيها ، خطيبا ، شاعرا ، فصيحا ، ذا دين متين ، دخل يوما على عبد الرحمن الناصر ، صاحب الأندلس ، بعد أن فرغ من بناء الزهراء وقصورها ، وقد قعد في قبّة مزخرفة بالذهب ، والبناء البديع الّذي لم يسبق إليه ، ومعه جماعة من الأعيان ، فقال عبد الرحمن الناصر : هل بلغكم أنّ أحدا بنى مثل هذا البناء ؟ فقال له الجماعة : لم نر ، ولم نسمع بمثله ، وأثنوا ، وبالغوا ، والقاضي مطرق ، فاستنطقه عبد الرحمن ، فبكى القاضي ، وانحدرت دموعه على لحيته ، وقال : واللَّه ما كنت أظنّ أنّ الشيطان ، أخزاه اللَّه تعالى ، يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التمكين ، مع ما آتاك اللَّه ، وفضّلك به ، حتّى أنزلك منازل الكافرين . فقال له عبد الرحمن : انظر ما تقول ، وكيف أنزلني منزل الكافرين ؟ فقال : قال اللَّه تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ، وَزُخْرُفاً ، إلى قوله : وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » . فوجم عبد الرحمن وبكى ، وقال : جزاك اللَّه خيرا ، وأكثر في المسلمين مثلك . وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدّا ، منها : أنّه قحط الناس وأرادوا

--> ( 1 ) . 35 - 33 . sv ، 43 . naroC